الانسان بين المطرقة والسندان

21/11/2023
InShot_20231002_221011064

الانسان بين المطرقة والسندان

يُقال ” لكلّ شيءٍ آفةٌ من جنسهِ حتى الحديدُ سطا عليه المبردُ ” ، هذه المقولة باتت تثير مخاوف الانسان على مستقبله نظراً لما وصل اليه الذكاء الاصطناعي ، نتاج العقل البشري ، من امكانياتٍ اصبحت موضع جدل وخوف . فمن مطرقة الجهل هرب الانسان مستثمراً حصافة ذهنه محدثاً تحولاً رقمياً هائلاً في عالم التكنولوجيا . هذه الثورة العلمية نتج عنها لأول مرة مصطلح ” الذكاء الاصطناعي ” كنظام علمي ، عام ١٩٥٦ في الولايات المتحدة الأميركية ضمن ورشة عمل صيفية بعنوان ” مشروع دارتموث البحثي حول الذكاء الاصطناعي ” هدفت الى تطوير آلة تحاكي الذكاء البشري ، وبالفعل تلك الأساطير تحولت الى حقيقة اذ بات الذكاء الاصطناعي او ما يُعرف بالAI يستعان به في مختلف الأعمال التي تحتاج عقلاً بشرياً لإتمامها ، حتى في الطب بدءاً من التشخيص وصولاً الى صرف العلاج .
لم تسلم مهنة المحاماة ، وهي رسالة انسانية مبنية على الأخلاق ، من سيطرة الذكاء الاصطناعي بحيث اصبحت بعض المكاتب تستعين ب”المحامي الآلي” لتقديم الخدمات القانونية من ضمنها الرد على الاستشارات وايجاد الحلول القانونية ، تقييم الوضع القانوني في قضية ما ، تقديم الدفوع والحجج القانونية ، تحليل العقود وغيرها من الاعمال الموكلة للمحامي .
وفي استونيا ظهر للمرة الاولى عام ٢٠١٩ القاضي الروبوت المختص في مجال فحص وتحليل الوثائق القانونية والفصل في النزاعات المالية التي تقل قيمتها عن ٧٠٠٠ يورو بهدف تقليل الضغط عن القضاة من جراء تراكم القضايا .
في ظل هذا التطور السريع ما زلنا في مرحلة دراسة هوية وطبيعة الذكاء الاصطناعي في سبيل ترتيب المسؤولية لتحديد العقوبة حفاظاً على الحدود القانونية ( حقوق الملكية الفكرية مثلاً ) والأخلاقية ( كإحياء ميت صوت وصورة ) التي يمكن للذكاء الاصطناعي أن يتخطّاها .
وهنا تطرح بعض الإشكاليات ، هل بالامكان ان تصبح الآلة أذكى من الانسان ؟ هل من الممكن ان يخرج الذكاء الاصطناعي عن سيطرة البشر وبالتالي ترتيب المسؤولية عليه ومعاقبته ؟ وهل حقاً وقع الإنسان بين المطرقة والسندان ؟

للإجابة على هذه التساؤلات لا بد من المرور على أنواع الذكاء الاصطناعي الأربعة :

١ – النوع الأول وهو الآلات التفاعلية ( reactive machines ) وهو أبسط أنواع الذكاء الاصطناعي الذي ينفّذ المهام الرئيسية الموكلة إليه فقط .

٢ – النوع الثاني وهو الذاكرة المحدودة ( limited memory ) الذي يقوم بتخزين المعلومات والبيانات السابقة لاستعمالها في توقعات وتنبؤات مستقبلية . مثال على ذلك روبوتات المحادثة المطورة من عملية تقييم ردود فعل الانسان الناتجة عن مشاعره واعادة انتاجها ، السيارات ذاتية القيادة التي تقوم بتقييم حالة الطقس والطرقات والسيارات لتسلك الطريق المناسب وشركة “ waymo “ كانت السبّاقة في عرضها لسيارة أجرة ذاتية القيادة في العام ٢٠١٦ في مدينة فينسك بولاية أريزونا الأميركية ، كما وأعلنت اليابان عن تطويرها لطيار مدني آلي يدير الرحلة ويعالج المطبات من المرتقب أن يقوم بأولى رحلاته عام ٢٠٢٦ .
برأينا لا يمكن للذكاء الاصطناعي ان يتمتّع بالشخصية المعنوية في هذه المرحلة فالشخص المعنوي هو مجموعة من الأشخاص والأموال تهدف الى تحقيق غرض معين لذا يعترف لها القانون بالشخصية القانونية بالقدر اللازم لتحقيق هذا الغرض .
لذا فهو أداة او شيء ، يمكن اعتباره منقول مادي او معنوي لا يملك الارادة ، ولو تمتّع بهامشٍ من الاستقلالية يبقى خاضعاً للأهداف التي حدِّدت له .

٣ – النوع الثالث وهو نظرية العقل ( theory of mind ) والذي ما زال في اطار النظرية كون العلم لم يتوصل الى نظام آلي يحاكي عواطف الانسان ومشاعره ويقوم بتحليل وتقدير لم يدرّب عليه لملاءمة واقعٍ معيّنٍ غير مرتقب .

٤ – النوع الرابع والأخير وهو الوعي الذاتي ( self aware ) الذي يعتبر الأخطر على الاطلاق اذ نكون امام ذكاء مصطنع يضاهي العقل البشري من الممكن ان يتمتّع بإرادة ووعي مستقلّين لدرجة يمكنه الاستحصال على براءة اختراع شرط اثبات الابتكار .
وهنا يُثار التساؤل التالي : هل يمكن معاقبة الذكاء الاصطناعي وهل ينطبق الردع العام والخاص عليه ؟ برأينا ان الجواب على هذا التساؤل يبقى رهن الوقت للتأكد من مدى انطباق خصائص الانسان على الذكاء الاصطناعي فالعقوبات يقصد منها الإيلام وقد اعتبرها الفقهاء ” موانع قبل الفعل وزواجر بعده ” ونحن لا نعلم الى اي مدى يمكن للذكاء الاصطناعي ان يتأثّر بها لذلك والى حينه من الممكن ان نكون امام سياسة عقابية حديثة .


Latest posts



About us

Leverage agile frameworks to provide a robust synopsis for high level overviews. Iterative approaches to corporate strategy foster collaborative thinking to further the overall value proposition. Organically grow the holistic world view of disruptive innovation via workplace diversity and empowerment.


CONTACT US

CALL US ANYTIME